ابو القاسم عبد الكريم القشيري
135
لطائف الإشارات
قوله جل ذكره : [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 27 ] وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 27 ) لو أنّ ما في الأرض من الأشجار أقلام والبحار كانت مدادا ، وبمقدار ما يقابله تنفق القراطيس ، ويتكلّف الكتّاب حتى تتكسر الأقلام ، وتفنى البحار ، وتستوفى القراطيس ، وتفنى أعمار الكتّاب . . ما نفدت معاني مالنا معك من الكلام ، والذي نسمعك فيما نخاطبك به لأنك معنا أبد الأبد ، والأبديّ من الوصف لا يتناهى . ويقال إن كان لك معكم كلام كثير فما عندكم ينفذ وما عند اللّه باق : صحائف عندي للعتاب طويتها ستنشر يوما والعتاب يطول قوله جل ذكره : [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 28 ] ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 28 ) إيجاد القليل أو الكثير عليه وعنده سيّان ؛ فلا من الكثير مشقة وعسر ، ولا من القليل راحة ويسر ، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له : « كُنْ فَيَكُونُ » * « 1 » يقوله بكلمته ولكنه يكوّنه بقدرته ، لا بمزاولة جهد ، ولا باستفراغ وسع ، ولا بدعاء خاطر ، ولا بطروء غرض . قوله جل ذكره : [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 30 ] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( 30 ) « اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ » : الكائن الموجود ، محقّ الحقّ « 2 » ، وما يدعون من دونه الباطل : من العدم ظهر ومعه جواز العدم « 3 » .
--> ( 1 ) آية 82 سورة يس . ( 2 ) في ص جاء بعدها ( وما يدعونه هو التلاوة ) ويقول مجاهد ، إنه الشيطان . ويقال : ما أشركوا به اللّه تعالى من الأصنام والأوثان . . ( 3 ) شغلت قضية ( الحق والباطل ) أصحاب وحدة الوجود . ورأى القشيري هنا يصلح عند المقارنة بين أرباب وحدة الشهود وأرباب وحدة الوجود في شأن هذين الاصطلاحين .